( ثقافة النهش ) حادثة الصحفية أسمهان الغامدي أنموذجا

[مجموعة من الأسود تهاجم إحدى الإعلاميات بجريدة محلية أثناء تغطيتها فعاليات السيرك في أحد المنتزهات الترفيهية بالثمامة, حيث أسقطها أحد الأسود أرضاً، وانقض عليها آخر و(نهشها) بأنيابه مخلفاً جروحاً بليغة في يدها، ومازالت المحررة ترقد في المستشفى لتلقي العلاج.]
كان هذا موجز الخبر الذي تناقلته بعض الصحف الالكترونية على استحياء , أما الصحافة الورقية فلم تشر إليه، وهي التي طالما حفلت زواياها وأخبارها بقضايا المرأة !!


ولكن لم تنشره سوى صحيفة واحدة يتيمة !! ويزول العجب بمعرفة السبب, فالصحفية تعتبر من منسوبيهم ، وكانت في مهمة عمل من قبلهم!!
ليبقى السبب الأوحد في انتشار الحادثة هو غرابتها ليس إلا !!!!

أما ردود الفعل فقد انقسمت إلى ثلاثة ردود :
جاءت ردة الفعل الأولى بلهجة متعاطفة, وكانت الثانية الأكثر حزما حيث سعى أصحابها للتذكير بهجوم تلك المحررة على أحد الدعاة في وقت سابق , أما ردة الفعل الأخيرة فقد جاءت أكثر نضجا – و إن كان طرحها هو الأقل- حيث ربط أصحابها حادثة الهجوم  بالمكان الذي وقعت فيه, بما يمكن تسميته (بيئة العمل).
وإذا انطلقنا لقراءة الحدث بعد تجاوز القشور ، واستبعاد مساحات الشخصنة، وبدأنا في محاولة لسبر أغواره برؤية مختلفة متزودين بزاد من التجرد و الإنصاف.

فإننا سنجد في ذلك المشهد دلالة رمزية لواقع نعيشه – برغم حداثته-  حيث أن المشهد ببساطة يبدو كالتالي:
(امرأة عاملة تسعى للوصول إلى نتيجة أكمل, وينصب تركيزها على الإخلاص في العمل, دون أن تستحضر خطورة البيئة التي تعمل فيها, ثم لا تلبث أن تستيقظ على  الواقع المؤلم: أنها في لحظة تحولت من موظفة لها إنجازاتها إلى فريسة سهلة لـ(بضعة أسود) و أن ذلك الكم من الإنجازات في تلك اللحظة بات لا معنى له, بل و يمتد الأمر لتنقل تلك الواقعة وتعرض مأساة امرأة كادت أن تفقد حياتها بطرح هزيل وصمت يوشك أن يكون مطبقا من الإعلام)

وعندما نحاول إسقاط هذا المشهد على (واقع المرأة في العمل), فإننا سنقف أمام حقائق متطابقة تكشف عما تتعرض له المرأة  من (نهش) بشقيه (النفسي) كالتحرش اللفظي ,و (الجسدي) كالتحرش الذي يصل إلى حد الاعتداء, فما تتعرض له المرأة من ذلك مرتبط تماما بالبيئة التي تعمل فيها فإن كانت ( بيئة آمنة ) تلاشى ما تعانيه المرأة من ذلك, و إن كانت في (بيئة غير آمنة) فإن (ثقافة النهش) هي المتسيدة سواء تدثرت برداء عاطفي أو لم تفعل .

ولغة الأرقام تجعلنا نستبين الأمر بجلاء, فهناك دراسة ميدانية محلية تثبت أن 21 % من الموظفات في تلك البيئة يتعرضن للتحرش من جانب رؤسائهن، و35 % من الزملاء, وقد تطور الأمر عند البعض لطلب لقائهن خارج أوقات العمل بنسبة 28 % ، بينما عانى 24 % منهن من الاتصال بهن في أوقات متأخرة، أما 15 % فكشفن عن التحرش بهن باللفظ واللمس!!!!! (1)

كل هذا يحدث برغم عدم إقرار تلك البيئة نظاميا لتثبت لنا تلك النتائج الأولية أن (ثقافة النهش) مرتبطة بتلك البيئة غير الآمنة كسبب رئيس .

وقد يبدو  سن القوانين التشريعية التي تحمي المرأة حلا منطقيا و مقبولا في ظاهره, حيث باتت الكثير من الدول تتنافس في سن تلك القوانين وتفاخر بها, إلا أن النتائج الميدانية التي أكدتها لغة الأرقام  في تلك الدول تعيدنا إلى نقطة الصفر .

حيث أن تلك القوانين لم تعالج النهش في الولايات المتحدة الأمريكية فـ المجندات الأمريكيات يتعرضن لاعتداءات من زملائهن بنسبة 19%  ،وذلك للفترة 1999-2002م بل وارتفعت النسبة بعد ذلك لتصل إلى  25% .(2), أما في بريطانيا تتعرض الشرطيات البريطانيات للاعتداءات بنسبة تصل إلى 80%, وفشلت هي الأخرى في معالجة النهش بنوعيه, بل حتى دولة شقيقة كمصر تعاني 66% من المضايقات في أماكن عملهن. (3)

إذن المسألة لا ترتبط بـ (الرجل السعودي)  – كما قد تتفتق عنه ذهنية البعض -,  بل هي مرتبطة بكل (رجل) في ظل تلك الظروف المحيطة .
وعليه يمكننا القول أن العمل في بيئة تخضع فيها العلاقة بين (الرجل و المرأة) لتأطير وهمي, هو تماماً كمثل ترك تلك المحررة بلا حماية مع تلك الأسود !
التي متى ما ملت اللعب وقررت أن تستبدل اللعب بـ(النهش) فلن يردها شيء!!

كما أن القرارات المرتبطة بعمل المرأة والتي تتغافل عن سطوة (الميل الفطري بين الجنسين), وتترك المسألة  رهنا لـ(ضمير الرجل) , تعد استهتاراً بحق المرأة في توفير بيئة عمل آمنة لها ، تكفل لها الاستقرار النفسي ، وتأمين لقمة العيش إن عدمت ذلك ، بل وتتعداه إلى إنجازاتها وتحقيق ذاتها ، والإسهام في تنمية وطنها تنمية حقيقية .

وختاماً :
فمصير معاناة المرأة التي وقعت تحت ذل (ثقافة النهش) المتسيدة في تلك (البيئة الخطرة), هو تماماً كمصير تلك الصحفية, تغافل قاتل و تجاهل مستبد ولامبالاة أنانية,  لتبقى المرأة في المحصلة النهائية هي (الخاسر الوحيد).

كتبته : هند عامر

– الجمعة 22, يوليو 2011 –

– باحثة مهتمة بقضايا المرأة –
hindamer@hotmail.com
_________________________________________________

(1)  صحيفة المدينة 9مارس 2009م / دراسة أعدتها  الباحثة وائلة عبد الكريم.
(2 ) مجلة البيان، العدد (202) ص95.
(3)  Islamonline.net 9/3/2003 .

عن هند عامر

إعلامية وكاتبة مهتمة بقضايا المرأة في الإعلام والمؤتمرات الدولية/ دراسات عليا إعلام / دبلوم صحافة/تمثل نفسها في ماتقول/ترجو رحمة ربها.

شاهد أيضاً

متلازمة الورقة البيضاء

كثيرون مستعدون لأن يكتبوا عشرات التغريدات وينشروا عشرات السنابات التي يطرحون فيها آراءهم حيال قضية …

2 تعليقان

  1. شكر يا هند عمر ..
    اعجبتني القصه والخبر مسكينا الصحفيةا بس ليه هاجمتا السود مفرؤض السود تكون مدربه

  2. محمد المريخي

    جوزيت الفردوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *