مقال: وقفات مع حساب هيئة كبار العلماء في «تويتر»

العلماء في الأرض كالنجوم في السماء، بعلمهم نهتدي وبطرحهم تستقيم العقول وتحافظ الفطر على نقائها، فإن غابوا اضطربت البوصلة، واختلطت الاتجاهات، وأصبحنا عميان البصيرة وإن صح منَّا البصر.

ومع ظهور الآلة الإعلامية وثبوت تأثيرها الهائل على العقول والقلوب، كان لزاماً توظيف هذه الوسيلة في بث العلم الشرعي وهداية الناس، إلا أن دخول العلماء لهذه الساحة شابه الكثير من التأخير، ومع ظهور الإعلام الرقمي وتسيد أحد أشكاله وهو الشبكات الاجتماعية تكرر التأخر في دخول هذه الساحة من قِبل العلماء؛ مما ترتب عليه آثار خطيرة في هيمنة اجتهادات الدُخلاء على العلم الشرعي ممن كان دافعه الإخلاص وفاته الصواب، وتسيد أفكار أهل الشبهات والأهواء من الاتجاهات المنحرفة والملل المُحرَّفة.

ومع دخول العلماء المتأخر للشبكات الاجتماعية برزت ظاهرة لم تخطر على بال الكثير من المحللين، وهي تأثر عدد من العلماء بآفات تلك الشبكات وسطوة تفكير الجماهير على التصور الحقيقي للمسائل المطروحة – وكنت قد ذكرت عدداً منها في مقال سابق (الفتاوى والشبكات.. تنظيم أم تشتيت) – أما في هذه الأسطر فسأعرج على وقفات سريعة بخصوص التوظيف الإعلامي لحساب هيئة كبار العلماء في تويتر، وما هذه الوقفات إلا رجاء أن يكون له أبلغ الأثر وأكمله ويقوم بدوره الرئيس في هداية الناس وتوجيههم.

وقفتنا الأولى سترتبط بمحور مهم وهو معرفة (حجر الزاوية) الذي ينبغي أن يرتكز عليه الحساب، وهو (التخطيط المتقن) الذي ينقسم إلى مسارين رئيسين: أولاها مسار غير معلن وهو (وضع استراتيجية للشبكات الاجتماعية) تحقق رؤية الهيئة من التواجد فيها، وثانيها مسار ظاهر وهو (توليد المحتوى المحقق لهذه الاستراتيجية) وبثه للناس، مع وضع معايير لقياس مدى التقدم وتطوير الأداء بناء على المخرجات، وغياب العمل على هذين المسارين سيجعل الحسابات تدور في دائرة مغلقة من التأثير والتأثر، دون تقدم أو تأخر.

أما ثاني هذه الوقفات فهو (الصورة الذهنية) التي ترغب هيئة كبار العلماء في بنائها والظهور بها في هذه الشبكات، والتي يجب أن لا تتجاهل بحال من الأحوال الصورة الذهنية الحالية سواء المحلية الداخلية والتي (تعتبر الهيئة قوة علمية) أكثر من كونها توعوية، أو الخارجية العالمية والتي تعتبر الهيئة ومواقفها (مؤشراً لبعض الاتجاهات السياسية) حيال بعض القضايا، وقد رأيت كيف نُقلت بعض فتاوى المفتي عن ضرورة الحذر من آفات الشبكات الاجتماعية في فترة ما، (كموقف سياسي حكومي) تتناوله الصحف العالمية وتحلله أكثر من كونه مجرد نصيحة من مُشفق على مجتمعه.

أما ثالث هذه الوقفات فعن (طبيعة المحتوى للحسابات التابعة لهيئة كبار العلماء) والذي يجب أن لا يغفل بحال من الأحوال عن الصورة الذهنية المُراد غرسها ولا طبيعة الجمهور الداخلي أو الخارجي المتابع لما يصدر عن الهيئة عبر هذه الحسابات، وإذا كان التقسيم المتعارف عليه في المحتوى هو المحتوى التفاعلي الاجتماعي وكذلك المحتوى الإخباري وكلاهما يرتبطان بالأهداف الخاصة بالحساب، والمحتوى الشخصي وغير ذي الصلة واللذين لا يرتبطان بالأهداف بشكل مباشر، إلا أن طبيعة حسابات هيئة كبار العلماء تستوجب استبعاد المحتوى غير ذي الصلة، وربط المحتوى الشخصي بأعضاء الهيئة، وتكثيف المحتوى الإخباري بابتكار آليات جديدة لتوليد الأخبار عن الهيئة بما يعكس الجهود الكبيرة المبذولة على الواقع، وأخيراً المحتوى التفاعلي الذي ينبغي توظيفه في قياس الصورة الذهنية الحالية في أذهان الجماهير عن الهيئة وتقويمها وتوجيه المحتوى بناء عليها مع التوظيف أيضاً لتحديد احتياجات الشرائح المختلفة من هذه الحسابات عبر بعض الاستفتاءات والأسئلة المفتوحة.

وفيما يتعلق بالوقفة الرابعة والأخيرة فهي (خطة توظيف حسابات هيئة كبار العلماء في إدارة الأزمات والتفاعل مع المستجدات) التي تثيرها الشبكات وتشغل الرأي العام، وهذا هدف رئيس يجب أن لا تخلو منه الاستراتيجية الخاصة بالهيئة، على أن يكون ذلك بمراعاة عدم الوقوع في (شرك التضخيم) حيث إن ثمة قضايا تافهة عن مواقف بعض الأشخاص والجهات تكون معتادة بالتناول وتعظم بالتداول، ويفترض أن يكون موقف الهيئة حيالها متزناً إما بالتسامي عنها أو طرح محتوى يتكلم عن الرؤية الشرعية لذات الشبهات بعيداً عن الشخصنة أو حتى إيراد أسماء أصحابها، لأن إيراد أصحابها من المجتهدين المخطئين أو الضالين المضلين، سيورث ردود فعل متفاوتة من شرائح الجمهور الداخلي أو الخارجي، وقد يرتب عليها حملات لتلميع أولئك الأفراد وتوظيف نقد الهيئة في الحصول على مكتسبات من تضخيم لمكانة الشخص ذاته أو التعاطف معه، وترديد التهم المعلبة حول تشدد الهيئة وربطها بالفكر الوهابي في دائرة ردود لا آخر لها نتيجة الوقوع في التضخيم، وطرح محتوى يعتمد التورية والحديث عن أصل الشبهات وطرح المعالجة الشرعية بإيجاز وتجرد، سيقطع الطريق على المغرضين والمتصيدين ويحقق الدور الرئيس المناط بالهيئة.

ختاماً.. تواجد هيئة كبار العلماء في الشبكات الاجتماعية لم يعد اختياراً بل هو حتمي، وغموض بعض الإشكالات المتعلقة بتلك الشبكات يُحل بالاستعانة بالمتخصصين، لا بالتأخر وترك الساحة للمتردية والنطيحة ليقودوا شبابنا وفتياتنا، ويسمموا أفكارهم ويعبثوا بفطرهم، ولكم فرحت بتواجد الهيئة في هذه الشبكات وتفاعلها مع روادها، لكننا ما زالنا بحاجة لتواجد مدروس يحقق الفائدة المرجوة ويليق بمكانة الهيئة في بث العلم الشرعي وتنظيم حياة الناس.

Hindamer.m@gmail.com

عن هند عامر

إعلامية وكاتبة مهتمة بقضايا المرأة في الإعلام والمؤتمرات الدولية/ دراسات عليا إعلام / دبلوم صحافة/تمثل نفسها في ماتقول/ترجو رحمة ربها.

شاهد أيضاً

متلازمة الورقة البيضاء

كثيرون مستعدون لأن يكتبوا عشرات التغريدات وينشروا عشرات السنابات التي يطرحون فيها آراءهم حيال قضية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *