منابر إلكترونية تشتكي الهجران

في كل مرة أضع هاتفي بعد مكالمة مطولة مع من تخصصوا في العلوم الشرعية وأبحروا في أحد فروعها، وجمعوا مع ذلك رؤية ثاقبة للساحة، تخنقني غصة وتدوي في أذني أبيات لقصيدة لطالما رددتها من كلمات سلطان السبهان:

حتى ما يبقى الظامئون بحاجةٍ      للنهلِ من نورٍ هو الوحيُ المنير

من أتحدث عنهم يحملون رؤى لا ينال منها سباق تحيز، ولا يؤثر عليها لجة صراع، بعيدة كل البعد عن الأطروحات التي تتصارع على أحكام فقهية اختلف من سبقهم فيها فما فرقتهم ولا شتتهم، وقريبة كل القرب من تجلية عظمة هذا الدين، رؤى تسامت حتى باتت ترى كل الأمور من منظور علوي فاستلهمت من نصوص الوحيين (خيوط نور) حاكت بها أغطية متينة لتبث بها الدفء في القلوب التي جمدها صقيع الجدل، وتضع حلولاً تنظم حياة الناس وترويهم بما يكفيهم عطش أرواح أنهكتها الجدالات، ونالت منها الخلافات وأدمتها الشبهات.

هذه خيوطُ النورِ هل من مُمْسِكٍ      فالكونُ في عَطَشٍ وفي يَدِكَ النمير

ورغم امتلاكها لكل تلك الرؤى، ورغم الحلول المحكمة التي أجدها تستمد عظمتها من عظمة وحيه سبحانه، ورغم أنهم حينما يتحدثون يجعلونك تستشعر نعمة هذا الكتاب المنزل وهذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم للأسف يحتفظون بها في عقولهم، وإن جادوا وكتبوها فلا تتجاوز بيوتهم أو مكاتبهم، تشعر أنهم مثل من يواري كنزاً وهو غير مستشعر أنه كنز، بل تجده يتردد ويستقل علمه، ويزداد بتردده أن يصور لنفسه أن هذا التردد نوع من التورع! ولا تملك أن تشرح لهؤلاء قيمة الكنز الذي يصرون على دفنه، ولا أن تخرجهم من تلك الدائرة المغلقة من التبريرات في حين أنه ليس مطلوباً منهم إلا الكشف عن تلك الكنوز، ولن يبذلوا جهداً في إقناع الناس لاقتنائها.

أيقظ بقايا النورِ في الكونِ الكبير      فالناسُ في عَطشٍ وفي يدكَ النمير

قد يظن البعض أن هؤلاء لا يتحملون مسؤولية حلولهم، أو لا يهمهم حال الناس ولا كل ذلك الجدل والاضطراب في النقاشات الدائرة في القضايا الاجتماعية، ولكن المشكلة الرئيسة أنهم ليسوا كذلك، بل هم يتحرقون لما آل إليه النقاش المجتمعي من احتقان، وما آلت إليه الحلول الوسطية من تحيز، وكيف نال الخطاب الإعلامي المحتقن والمؤدلج من الخطاب الشرعي الوسطي وجعله يميل، وإن لم ينحرف بالكلية إلى أقصى اليمين، حيث تغلب الحدة في الطرح ويرفض البعض تقديم بعض الأطروحات أو حتى مراجعة بعض الحجج الشرعية المقدمة وتطويرها ومعالجة عيوبها، بحجة أن ثمة معركة قائمة مع أهل الباطل دون أن يستشعروا أن هذه المراجعات هي التي تصقل الخطاب الشرعي وتجعله قادراً على المواجهة.

فلربَّما ابتسم الهُدى لعوالمٍ          كانت تقاومُ جَهْدها نفسَ المصير

أصحاب الخطاب الوسطي المتزن في الساحة يعيشون غربة، وبعضهم انسحب من الساحة بعد أن رمي بالتخوين وتهم التمييع، ولا ألوم من مالوا تجاه اليمين فالخطاب الإعلامي يتبع استراتيجيات شديدة الذكاء وهي تقوم على صناعة معارك وهمية مع المصلحين الصادقين لإلهائهم تارة، ولتوظيف ردة فعلهم في الإساءة لصورتهم الذهنية تارة أخرى، لكننا نحتاج عودة صادقة ممن نال منهم الخطاب الإعلامي، نحتاج أن نكف عن التسليم بالحجم الذي يضعه الإعلام لبعض القضايا والذي يكون خاضعاً لأدلجة منحرفة، ويكون المصلحين الصادقين هم من يضعون حجماً لهذه الأمور بالتعاون مع أصحاب التخصصات المختلفة، ويشتركون في بناء تصورات كاملة وتقديم خطاب يضع حلول جذرية.

هذه خيوطُ النورِ هل من مُمْسِكٍ            فالكونُ في عَطَشٍ وفي يَدِكَ النمير

وقبل أن يتحدث شخص عن قصور الإمكانات، فأنا هنا لا أتحدث عن البذل المؤسسي رغم أهميته، أنا أتحدث عن دور الأفراد في المبادرة لتقديم ما ينفع الناس ويصلح أحوالهم في معادهم ومعاشهم، أتحدث عن استثمار المنابر الإلكترونية التي تشتكي الهجران، من مدونات ومواقع شخصية بتقديم طرح هذه العقول، أتحدث عن فرق عمل تطوعية من مختلف التخصصات تصيغ الحلول، ثم يروج كل فرد منها ما وصلوا له عبر الشبكات لإيصاله الأفراد لوعي كامل غير منقوص ولا مجتزأ، أتحدث عن إيقاظ الهمم النائمة والتي اختارت السلامة على نفع الناس، وتجاهلت أنها حينما تساهم في إصلاح هذا المجتمع إنما تساعد في إيجاد بيئة صالح ومستقبل آمن لأبنائها وأحبابها، ولا عذر لطالب علم أو طالبة علم ممن ألهموا الحكمة وكان لديهم بعض ما يمكن تقديمه، وصدقهم مع ربهم هو فقط ما سيخرجهم من دائرة الأعذار إلى دائرة التنعم ببركة البذل.

فالمرءُ لو صَدَقَتْ نوايا عزمهِ       أعطاه ربُّكَ من عطاياهُ الكثير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Hindamer.m@gmail.com

 

رابط المقال:

http://twasul.info/529925/

عن هند عامر

إعلامية وكاتبة مهتمة بقضايا المرأة في الإعلام والمؤتمرات الدولية/ دراسات عليا إعلام / دبلوم صحافة/تمثل نفسها في ماتقول/ترجو رحمة ربها.

شاهد أيضاً

مقال: أنفولو

(ما صديقنا إلا إنَّا) عبارة متداولة لأحد رؤساء أندية كرة القدم، ويقصد بها: (ليس لنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *