على مدى أزمان عبرت وعصور تصرمت كان النظر للترقي العقلي إلماما وحكمة ومكانة يرتكز على معيار ثلاثي مرتبط بالعلم ارتباطا وثيقا، فالناس إما عالم أو متعلم أو جاهل، بيد أن ثمة تصنيفات حديثة مستحدثة تجعلنا نطرح هذا المقال من زاوية مختلفة.

التصنيف الثلاثي السابق برأيي كان ومازال وسيظل التصنيف الأكمل، بيد أن تجاهل التصنيفات التي يفرضها الواقع -والتي فيها مايتيح الإنضواء تحت لوائها مع ضمان الوقوف على بعد مسافة آمنة من لوازمها-، أقول أن تجاهلها سيجعلنا بمعزل عن الواقع والتفاعل مع الناس فلا نؤثر ولا نتأثر، ومادام الأمر لاينال من قيم أو مسلمات فلاضير أن نتأمل بعض هذه التصنيفات ونجري بعض المقاربات، ولعل أبرز هذه المصطلحات التصنيفية المستحدثة: (تصنيف المُفكر).

تصنيف المُفكر برأيي هو تصنيف مرن يربط الإنسان بعملية التفكير ذاتها لا بنتائجها وهو بشكل أو آخر يحفز الإنسان على تحمل مسؤولية إعمال العقل بالتفكير عوضا عن تسيد الجمود والتبعية المطلقة بين الناس، وأرجح أن بدايات ظهوره كانت مع انعتاق النصارى في عصور الظلام من سلطة الكنيسة والتي كانت توزع تهمة الهرطقة على كل من يأتي بأفكار تخالف ماتوصلت إليه وتصدر حكمها بإعدامهم وقائمة المفكرين النصارى تطول وتمتد.

برأيي أن تعاملنا من مصطلح مُفكر كمسلمين له مايسنده أيضا ك، وذلك ارتكازا على مشروعية الاجتهاد والحث عليه وإخراج الأمة من كبوتها بعد تعطيله بيد أن التشجيع على التفكير هنا يجب أن يتسامى عن عبثية التفكير المقصود في عصور الظلام والذي افترض مسارين لاثالث لهما في مسألة التفكير فإما أن تهجر التفكير وتسلم عقلك للكنيسة أو تفكر في كل شيء وتتجاهل وجود الأديان بالكلية.

اختزال علاقة الدين بالفكر في (القيود) هو اختزال مقبول عند النصارى لأن لديه مايعضده من السلطة المطلقة التي منحت للكنيسة، لكن في الإسلام فالأمر برأيي يختلف.

هناك فرق بين أن يربط الفكر بدين ارتبط بأمة مضت وأصبح غير قابل للتطبيق مع تتالي العصور – والتي اختصرحال أهله الرسول‏ بقوله: ليسوا على شيء -، وأن يرتبط الفكر بدين خاتم ومكتمل قادر على التعاطي مع كافة المتغيرات على مر العصور ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )، إذا أن كل إطار يفرضه الدين الحق على أي فكرة قد تنبثق من عقل ما، لايتجاوز دوره التوجيه إلى المسار الصحيح الذي ينتفع به الشخص ذاته والبشرية جمعاء (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ).

إخضاع الفكرة لأي نص شرعي ديني ليس تقييدا للإبداع أو مخالفة للإستقلالية ، بل هو نوع من محاولة اقتباس النور المعرفي في هذا النص وحقن الفكرة به مما يزيدها نورا واكتمالا، ومع اجتماع الإخلاص الكامل من المفكر والتحري البالغ للصواب فإن موعود الله لهذا المفكر المُحسن تام ومكتمل.

الله وعد من أسلم وجهه لله وانقاد له ابتداء وزاد فتحرى الصواب والإحسان انتهاء بأن له أجره في الآخرة و لاخوف عليه ولا حزن – (بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) – ، وإذا كان بعض المفسرين يربط الخوف والحزن بالآخرة فإني أرى وجها آخر يربطها بالحياة الدنيا، فالمفكر المحسن في الدنيا لاخوف عليه من شطط وانحراف، ولا من حزن قد يتولد من عبثية الأفكار وانفراطها حيث نالت هذه العبثية من قلوب الكثير من المفكرين وسببت لهم اكتئابا مستديما آل بهم إلى الإنتحار.

حاولت أن أوجز ما استطعت وللحديث عن مآلات عبثية الأفكار وانفراطها مقال آخر إن شاء الله.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هند عامر

روائية سعودية، متخصصة في الصحافة والنشر الالكتروني

اشترك معنا

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع على بريدك الالكتروني