في كل مرة أسمع أو أقرأ لمن يختزل الإبداع بعبارة: (التعامل مع الأشياء المألوفة بطريقة غير مألوفة).

أشعر أن هذا التعريف وإن كان يبدو قريبا لحل شفرة الإبداع إلا أنه يبقى يتعامل معها بطريقة عقلية منطقية في حين أن قوة الإبداع تكمن في عدم منطقيته.

حينما ترى إبداعا ما، سواء في لوحة تشكيلية أو قصيدة أو إجراء إداري أو حتى معالجة مشكلة مجتمعية، تشعر أن الأمر ليس محصورا في ماهو مألوف أو غير مألوف ولا في مجرد استخدام العقل بطريقة معينة للوصول لنتيجة مختلفة بل هو أعمق بكثير.

توليفة العمل الإبداعي من سحب الخيوط من هنا وهناك، وخوض الصراعات لإزالة عوائق حياكتها في قطعة إبداعية واحدة، والحصول على نتيجة مرضية بعد كل هذه الفوضى، يوصل المبدع لحالة انتشاء جميلة تجعله يحلق في عوالم أخرى مما يمنحه الوقود لإبداع آخر وهذا يمنحنا إشارة أخرى لفهم كن العمل الإبداعي، الإشارة مرتبطة بهذا الوقود وهذه القوة التي تغذي الشغف.

الإبداع برأيي ينطلق من منطلقات روحية، ذلك أن القوة ابتداء مصدرها روحي- (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ )- ، وتلك القوة التي تتفجر في أقصى حناياك بعد كل نجاح إبداعي هي ذات كن روحي لايتعارض مع أي ارتباط عقلي أو نفسي، إلا أن العوامل العقلية والنفسية ستبقى مكملات بينما يبقى الكن روحي، وهذا الكن هو مايجعل فك شفرة هذا الإبداع غالبا عصية على التفكير، خاصة إذا ماكانت قوة تنفيذ الفكرة مطابقة لقوة الفكرة ذاتها.

هذا الارتباط الروحي بالإبداع نجده عند بعض المفكرين فهذا هو علي عزت بيغوفيتش الذي يرى أن الفن هو اﻹبداع يقدم رؤية عن الارتباط الروحي للإبداع فيقول: “إن الفن ابن الدين، وإذا أراد الفن أن يبقى حيا، فعليه أن يستقي دائما من المصدر الذي جاء منه”، وتعد نظرة بيجوفتش للارتباط الروحي بالإبداع قفزة عجيبة فهو لايربط الفن بالروح فقط بل يربطه مباشرة بالدين ويجعله معين ومصدر له، متجاوزا كل الصورة الذهنية عن دور الدين في الحياة والتي تحصره في إطار الأحكام السلوكية لينظر للدين برؤية شمولية متفردة.

خلاصة مايمكن أن نقوله في هذه الأسطر أن كل محاولاتنا لفهم كن الإبداع ومنطلقاته ستبقى عاجزة، قد نفهم العمل الإبداعي ذاته وكيف تشكل، لكن لن نفهم من أين جاء هذا الإبداع لأن حتى المبدع ذاته لايدري من أين اتقدت هذه الشرارة الإبداعية في أعماقه، ولا كيف وجدت طريقها إلى عقله.

______

هند عامر

Hondamer.m@gmail.com

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pinterest
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هند عامر

روائية سعودية، متخصصة في الصحافة والنشر الالكتروني

اشترك معنا

اشترك في القائمة البريدية ليصلك جديد الموقع على بريدك الالكتروني